في هذه الدراسة سنتطرق إلى فرضية انسحاب احد أعضاء مجلس الأمة أو بعضهم من الموقعين على طلب طرح الثقة بالوزير بعد جلسة تقديم الطلب وقبل التصويت عليه واثر هذا الانسحاب على قيام الطلب.
وهذه الفرضية ليست من باب الجدل فقد كادت أن تحدث في الاستجواب المقدم من النائب مسلم البراك لوزير المالية محمود النوري بتاريخ 23 فبراير 2004 عندما أراد النائب د. حسن جوهر وهو احد مقدمي طلب طرح الثقة سحب اسمه من الطلب في جلسة التصويت ليحل محله النائب حسين القلاف وقد دار نقاش وثار خلاف حول مشروعية هذا الإجراء وكانت لي مداخلة رافضة لهذا الإجراء باعتبار أن طلب طرح الثقة قد اكتملت عناصره واستوفى شرائطه في جلسة تقديمه وتم تثبيته في المضبطة وغير معروض في جلسة التصويت على طلب طرح الثقة. وانتهى النقاش بتراجع النائب حسن جوهر عن طلبه دون تصويت على الإجراء.
إلا أن الحكومة لم تكتف بما دار بالمجلس من نقاش وما سار عليه من عمل فتقدمت بتاريخ 3/5/2004 بطلب تفسير المادتين 100 و101 من الدستور متضمنا في البند الرابع منه معرفة الأثر الدستوري المترتب على تنازل أو انسحاب احد مقدمي طلب طرح الثقة بالوزير المستجوب. وعندما نظرت المحكمة الدستورية البند الرابع من طلب التفسير ردت على طلب الحكومة بعدم نظر هذا البند على سند من أن الحكومة «طرحت هذه المسألة طرحا افتراضيا على محض تصور مجرد ليتسنى تدبر الأمر في خصوصها مستقبلا كما تشير إلى تفويض الرأي بشأنها لهذه المحكمة ويشاطرها في ذلك مجلس الأمة فإنها تتمخض خلافا نظريا لا يقوم معها وجه محل إعمال ولايتها في شأنه ) حكم المحكمة الدستورية التفسيري رقم 8 لسنة 2004.
وبمناسبة الاستجواب المقدم إلى وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد من قبل النائب مسلم البراك والذي تمت مناقشته يوم الثلاثاء الماضي وانتهى إلى تقديم طلب طرح الثقة بالوزير. وستتم مناقشه الطلب والتصويت عليه في جلسة يوم الأربعاء المقبل وبناء على ما طرح ببعض الصحف وما تداولته بعض الأوساط السياسية من احتمال قيام احد الأعضاء من مقدمي طلب طرح الثقة بسحب اسمه من الطلب فقد
أعيد إثارة السؤال السابق طرحة مرة أخرى حول اثر هذا الانسحاب إذا حدث على طلب طرح الثقة وكيفية التعامل مع نتائجه ؟
أحكام طلب طرح الثقة والآثار التي ستترتب على انسحاب احد مقدمي طلب طرح الثقة على الوجه التالي:
لقد نظمت المادة 101 من الدستور طلب تقديم الرغبة أو الطلب في طرح الثقة حيث نصت على أن ( كل وزير مسئول لدى مجلس الأمة عن أعمال وزارته وإذا قرر المجلس عدم الثقة بأحد الوزراء اعتبر معتزلا للوزارة من تاريخ قرار عدم الثقة ويقدم استقالته فورا ولا يجوز طرح موضوع الثقة بالوزير إلا بناء على رغبته أو طلب موقع من عشرة أعضاء اثر مناقشة استجواب موجه إليه. ولا يجوز للمجلس أن يصدر قراره في الطلب قبل سبعة أيام من تقديمه ويكون سحب الثقة من الوزير بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس فيما عدا الوزراء ولا يشترك الوزراء في التصويت على الثقة ).
كما نصت المادة 143 من اللائحة الداخلية على أن ( يجوز أن يؤدي الاستجواب إلى طرح موضوع الثقة بالوزير على المجلس ويكون طرح موضوع الثقة بالوزير بناء على رغبته أو على طلب موقع من عشرة أعضاء اثر مناقشة الاستجواب الموجه إليه وعلى الرئيس قبل عرض الاقتراح أن يتحقق من وجودهم بالجلسة ).
ومن نص هاتين المادتين فان طلب طرح الثقة لا بد وان يمر بالإجراءات التالية:
1 - لا يجوز تقديم طلب طرح الثقة ابتداء إلا بعد تقديم استجواب وبعد مناقشته.
2 - يقدم الطلب بأحد طريقين إما بطلب من الوزير المستجوب أو بطلب كتابي موقع من عشرة أعضاء دون زيادة أو نقصان.
3 - على رئيس مجلس الأمة أن يتأكد من وجود الأعضاء العشرة في الجلسة من خلال النداء عليهم بالاسم وذلك لأهمية الطلب وخطورة آثاره للتأكد من أنهم أنفسهم الذين قاموا بتوقيعه وتقديمه.
4 - لا يجوز مناقشة الطلب والتصويت عليه إلا بعد مرور سبعة أيام من تاريخ تقديمه وذلك حتى تستقر النفوس ويتخذ القرار بعيدا عن العواطف والانفعالات وبعد الاطلاع على ما يكون قد قدم من مستندات تحتاج إلى مزيد من التمحيص والتدقيق ليكون النائب رأيه عن قناعة.
5 - قبل التصويت على موضوع الثقة يأذن الرئيس بالكلام لاثنين من مقدمي الاقتراح أو من غيرهم على أن تكون الأولوية لمقدمي الاقتراح بترتيب طلبهم واثنين من معارضي طلب طرح الثقة ما لم ير المجلس السماح بالكلام لأكثر من ذلك.
6 - يكون سحب الثقة بالوزير بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس فيما عدا الوزراء ولو كانوا من أعضاء المجلس. فلو كان احد أعضاء المجلس وزيرا فان الأغلبية المطلوبة 25 عضوا من أصل 49 عضوا وهكذا.
مجموعة من التساؤلات وكيفية الإجابة عنها:
1 - إذا قُدم طلبان لطرح الثقة فما العمل بشأنهما ؟
2 - إذا قدم الطلب عشرة أعضاء بعد مناقشة الاستجواب وعند النداء عليهم بالاسم تبين تغيب احدهم أو أكثر فما هو العمل ؟
3 - ما الإجراء إذا تغيب احد أو بعض الأعضاء الموقعين على طلب طرح الثقة أو طلب سحب اسمه قبل التصويت على الطلب ؟
بالنسبة للتساؤل الأول: لقد حدد النص عدد الأعضاء الذين يحق لهم تقديم الطلب بعشرة أعضاء على سبيل الحصر دون زيادة أو نقصان فإذا قل العدد عن عشرة فلا يقبل الطلب وإذا زاد العدد عن عشرة فان العدد الزائد لا يقبل. وفي هذه الحالة يكون الطلب الأول هو الطلب المستوفي والمقبول أما ما عداه فيعد تزيدا مرفوض لا يجوز الأخذ به أو قبوله لأنه لا محل له فالقبول يكون إذا للطلب الأسبق في التقديم ويتم رفض الطلبات التي تليه ولا يتم التنويه عنها أو تثبيتها بالمضبطة لبطلانها .
بالنسبة للتساؤل الثاني: عند تغيب احد الأعضاء أو بعضهم من الموقعين على طلب طرح الثقة عن الجلسة أثناء المناداة عليهم للتأكد من وجودهم في الجلسة لأي سبب من الأسباب يعتبر الطلب غير مكتمل العدد وعلى الرئيس أن يعتبر الطلب كأن لم يكن ما لم يحضر العضو المتغيب قبل صدور القرار بعدم قبوله والانتقال إلى البند التالي أو قيام عضو آخر حاضر الجلسة بتبني الطلب.
بالنسبة للاستفسار الثالث: إذا تغيب احد أو بعض الأعضاء الموقعين على طلب طرح الثقة أو طلب سحب اسمه قبل التصويت على الطلب فإننا في هذه الحالة يجب أن نفرق بين حالتين هما:-
1 - حالة تغيب احد الأعضاء من مقدمي طلب طرح الثقة وفي هذه الحالة فان تغيبه لا ينتج أي اثر بالنسبة لقيام الطلب ومتابعة الجلسة إذ ان المادة 143 من اللائحة الداخلية قد اشترطت تواجد الأعضاء العشرة في الجلسة التي قدم فيها الطلب وعلى الرئيس أن يتأكد من هذا التواجد للتأكد من أن الطلب مقدم من موقعيه كما اشرنا أعلاه فإذا تم ذلك وثبت الطلب أضحى مستوفي الشروط كامل الأركان لا يحتاج إلى إعادة تأكيد مثله في ذلك مثل مشاريع القوانين أو الاقتراحات حيث لا يشترط وجود مقدميها في الجلسة عند مناقشتها أو التصويت عليها مادامت قد قدمت منذ البداية صحيحة واكتملت أركانها وثبتت في المضبطة وعليه فان مجرد غياب احد أو بعض الأعضاء من مقدمي طلب طرح الثقة لا يؤثر في قيام الطلب والبدء في مناقشته والتصويت عليه.
2 - الحالة الثانية وهي حالة طلب احد الأعضاء من مقدمي طلب طرح الثقة سحب اسمه من الطلب أو فقدانه للعضوية لأي سبب كان كالوفاة أو الحكم بإبطال عضويته نتيجة لطعن على صحة انتخابه. لقد سبق أن كان لي رأي في جلسة مناقشة استجواب وزير المالية محمود النوري بعدم جواز إعادة النظر في الطلب باعتباره قد أصبح مستوفي الشروط في جلسة تقديمه وان أي تغيير يطرأ بعد ذلك لا يؤثر على قيام الطلب. وقد كان ذلك الرأي وليد اللحظة نتيجة لتقديم لرغبة احد الأعضاء سحب اسمه ولم يكن الرأي وليد دراسة دقيقة وتمحيص كاف.
لذلك فإنني أرى بعد الدراسة والتمحيص خلاف ذلك الرأي والعدول عنه. والتفرقة بين الحالة أعلاه وهذه. ففي هذه الحالة يكون خفض عدد الأعضاء يعود إلى فعل ايجابي بطلب سحب الاسم أو فعل قهري بفقدان العضوية وهي أفعال لا يمكن تجاهلها وتجاهل آثارها ومن ثم فان حدثت فإنها تؤثر على الطلب وتفقده احد أركانه فيضحى فاقدا لشرط من شروطه ويحتاج إلى استكمال هذا الشرط فيفتح المجال لأحد الأعضاء الحاضرين بتبني الطلب وإلا اعتبر الطلب باطلا يؤذن بسقوطه لعدم تحقق النصاب العددي المطلوب له.
ختاما:- نرى أن يكون هناك تعديل تشريعي في اللائحة الداخلية لمجلس الأمة بمعالجة هذا النقص وحسم الأمر فيه لتجنب أي خلاف قد يحدث في المستقبل لا سيما ونحن نتحدث عن واحده من المسائل المهمة والخطرة في العمل الديمقراطي لا تحتمل التأجيل أو التأويل.
أحمد عبدالمحسن المليفي